- خطأ
|
إبراهيم نوباني، وُلد في عكا، 1961 يعيش ويعمل في المكر
يخلق إبراهيم نوباني في عمله الفنّيّ إطار رسم يحدّد التوتّر القائم ما بين أشكال هندسيّة ملوّنة مرسومة بتقتير، وبين فضاء الصورة المرسومة بشكل أكثر تعبيريةً وأكثر أحاديّةً من حيث اللون. هذا التوتّر يُواجه ما بين لغتيّ رسم مختلفتين، ويعزّز الشعور بالمؤقّت فيما يخصّ البنية، والذي يلوح من الرسومات. مثال على ذلك هو عمله، المقبرة، الذي رسمه في العام 1988، بعد حوالي سنة على اندلاع الانتفاضة الأولى. فالرسمة ذات الإطار البنيّ تبدو كحفرة مفتوحة، ننظر نحن إليها من الأعلى. مساحة الرسم تُلغي خطّ الأفق، بينما تنقلب هنا زرقة السماء وبنيّة التراب. يطفو، في مركز الرسمة، ما يشبه السروة التي كأنّما تحدّد خطوط الحدّ ما بين القبور، وأغصانها تشير إلى الحياة الأبدية، الحداد والتفجّع. إلى جانب السروة، رُسم ما يشبه باب دخول لا يؤدّي إلى فضاء ممكن آخر، بل إنّه يغوص في الوحل المُغرق. على الفضاء الموحل تمّ رسم ثلاثة عناصر هندسية، بألوان زيتية فاقعة، وكأنّها شواهد قبور، مربّع برتقاليّ محدّد بخطّ أسود، مربّع أصفر ودائرة حمراء، وهما إشارتان تطفوان، أيضًا، في حيّز رسم موحل لا مخرجَ منه.
إنّ شعور الفخّ والانغلاق للمنظور يزداد تفاقمًا في هذه الأعمال التي رُسمت بعد اندلاع انتفاضة الأقصى. إفرات ليفني تشير إلى نقطة تحوّل في عمل نوباني: "جاءت أحداث أكتوبر 2000 وانتفاضة الأقصى لتفاجئ نوباني وهو في قريته غارق في عالم الرسم الخاص به. فقد اندلعت وفرضت نفسها على عمله وحياته (...) دفعة واحدة. أمّا الأحداث التي تلت ذلك والمتمثّلة بأحداث الانتفاضة المندلعة في المناطق والمواجهات في جنين، فقد حوّلت نوباني من الإحساس بالخيبة واليأس إلى الإحساس بالغضب الذي تطوّر إلى صراخ يبحث عن مخرج تعبيريّ."[i]
هذه الصرخة ملموسة جيّدًا في البورتريه الذاتي، بدون عنوان، 2004. يظهر في الرسمة وجه، وهذا الوجه هو منظر طبيعيّ أيضًا، يتحوّل إلى جزء من شجيرة خضراء تتسلّق وتتسلّل إلى داخل فكّين مفتوحين على اتساعهما ويكشفان عن هوّة صفراء. العينان المرسومتان بالأصفر والأخضر، تبدوان كلولب. الجسد نفسه مجروح ومقطّع، وبدلاً من الكتف واليد هناك جدعة، أي ما تبقّى من العضو، وهو أيضًا بمثابة لولب يتسلّل في داخل الجسد. الجريح مبتور الأعضاء لدى نوباني عديم الصوت، عيناه مملوءتان بالألم، لكنّ صوت الصرخة غير مسموع، بل إنّه يتردّد فقط في الفكّين المفتوحين في مواجهتنا.
في سلسلة أعمال تعود إلى العقد الأخير يعود نوباني إلى صورة المتاهة التي تختفي فيها الشخصية الإنسانية، بينما الدلائل الإنسانية مثل العيون أو خصلات الشعر، تطلّ وحدها من داخل حيّز هندسيّ لا مخرج منه. في العمل، بدون عنوان، 2007، تبدو متاهة من المربّعات التي تخلق عمقًا، بينما التوتّر ما بين الحركة نحو الداخل وبين الإطار الأسود، بين الكشف وبين الإخفاء، يعزّز من الشعور بالفخّ داخل فضاء الرسم. في رسمة أخرى، بدون عنوان، 2007، يبدو أنّ سيرورة التهجين الفنّيّ للمجرّد الهندسيّ مع الرمزية في الرسم، تصل حدّ اكتمالها. فالمساحة الهندسية تدفن تحتها المركّبات الرمزية المحلّية، العينيّة، التي ظهرت في أعماله، من خلال خلق متاهة وفخّ، بنية تتفكّك، تنثني نحو الداخل وتبقي خلفها فوضى وآثار أقدام. |