Warning: Parameter 1 to modMainMenuHelper::buildXML() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/cache/handler/callback.php on line 99

Articles


Warning: Parameter 1 to modMainMenuHelper::buildXML() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/cache/handler/callback.php on line 99

Warning: Parameter 3 to plgContentFootnotes::onBeforeDisplayContent() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/event/event.php on line 67
Array طباعة Array
عن الظلّ وخياله
هُنيدة غانم

أطلّ كشرفة بيتٍ على ما أريد
أطلّ على شبحي
قادمًا من بعيد...

(درويش، "أرى شبحي قادمًا من بعيد"){footnote} محمود درويش، لماذا تركت الحصان وحيدًا، رياض الريس للكتب والنشر، 1995: 11.{/footnote}

نحن، أيضًا، صعدنا إلى الشاحنات. يُسَامِرُنا
لَمَعانُ الزُّمُرُّدِ في لَيْلِ زَيْتُونِنا، ونُباحُ
كلابٍ على قَمَرٍ عابرٍ فوق بُرْجِ الكنيسةِ،
لكنّنا لم نكن خائفين. لأنّ طفولتنا لم
تجئْ معنا. واكتفينا بأغنية: سوف نرجع
عمَّا قليل إلى بيتنا... عندما تُفْرِغُ الشاحناتُ
حُمُولَتَها الزائدةْ!

(درويش، "قرويّون من غير سوء"){footnote}  م. ن.، ص: 27. {/footnote}

طفولة
في طفولتي، لطالما أثار إعجابي حجم أملاك شخص غامض، اسمُه محفور في ذاكرتي باسم السيد "نتوش". فعلى امتداد سنين طوال، حرص أبي – الذي كان مزارعًا ناجحًا جدًّا – على أن يستأجر – مع أعمامي – من ذلك السيد آلاف الدونمات من أشجار الزيتون، لقطفها وتوفير احتياجات العائلة من زيت الزيتون، وبيع ما يتبقى.      
مساحة كروم الزيتون التابعة للسيد "نتوش" كانت هائلة بصورة استثنائية، بل إنها كانت أكبر من مساحة كلّ كروم الزيتون التابعة لجميع أهل القرية معًا. وبخلاف بقية كروم الزيتون المفلوحة والمُعتنى بها التابعة لأهل قريتنا، كانت كروم زيتون هذا السيد مُهمَلة، مليئة بالأشواك، وتفتقر إلى ما يدلّ على أيّة عناية زراعية أساسية، وهو ما زاد من غموضها، وزاد، أساسًا، من الغموض الذي كان يُحيط بصاحبها، السيد "نتوش"، الذي اختار – رغم ثرائه – أن يُهمل الاعتناء الزراعيّ بكرومه. كنتُ أظنّ في تلك الأيّام أنّ السيّد الغامض مشغول جدًّا بثرائه وأملاكه، وهو ما يمنع اهتمامه بهذه الأمور الصغيرة.         
بسبب كبر المساحات التي كان يملكها السيد "نتوش"، وبُغية تسهيل عمليّة تصنيفها وتسجيلها، قسّم أفراد قريتي أراضيه إلى قطع صغيرة تصل مساحتها إلى عشرات الدونمات، وإلى مئات الدونمات، أحيانًا، وأطلقوا على كلٍّ منها اسمًا أو لقبًا خاصًّا بها: قطعة أبو فرسخ، قطعة أبو العجوز، قطعة قاسم عبد الخضر، قطعة فياض، وقطعة أبو رفيق القطاوي، الخلة، الأرض البيضا، العنبرات، وأسماء أخرى لم أعد أتذكرها.   
السذاجة الطفولية زالت مع مرّ السنين، بينما الإعجاب الكبير، الذي تركه فيّ حجم أملاك ذلك السيد الغامض، تبدّل بمرارة شديدة، ذلك عندما اكتشفت حقيقته: السيد "نتوش" لم يكن إلاّ اللقب "المُعرَّب" لـ "رخوش نتوش" (ملك متروك)، وهو ما أطلقته الدولة على الأملاك التي صادرتها من أصحابها الفِلَسطينيين بالقوّة في أعقاب حرب 1948، بعد أن طردتهم المليشيات (العصابات) الصهيونية إلى ما وراء الحدود، وحوّلتهم إلى لاجئين مُعدِمين! المثير للسُّخرية أن أسماء قطع الأرض وألقابها كانت، عمليًّا، "الناجين" الوحيدين الذين صمدوا في وجه المصادرة، وظلّوا راسخين في ذاكرة سكان قريتي الذين عرفوا أصحابها معرفة شخصية. وبروح كلمات درويش، كانت أسماء قطع كروم الزيتون – إلى حدّ بعيد – الظلّ الذي تبقى بعد أن تمّ الإلقاء بمالكيها إلى هاوية اللجوء.   
الأسماء رسخت في لغة القرويين، ليس بقوّة الإيديولوجيا، بل بقوّة عادة راسخة عميقًا في العلاقات العضويّة التي تشكّلت على امتداد مئات ولربّما آلاف السنين، بين سكان المكان وبين محيطهم الجغرافيّ، وعبّرت عنها. يتضح أنّ إطلاق الأسماء الفِلَسطينيّة تمّ وَفق معايير واضحة، وفي أكثر من مرّة، استند إلى شكل ومبنى قطع الأرض (فهكذا، مثلاً، الأرض البيضا أطلقت عليها هذه التسمية لأنّ تربتها شاحبة) أو إلى اسم أصحابها الرسميين، الذين كانوا، عادة، عائلات أرستقراطية فِلَسطينية أو لبنانية، أو إلى اسم العائلة المحليّة التي فلحتها لسنين طويلة من أجل أولئك الأسياد. في أعقاب نكبة 1948، واصل القرويّون الذين بقوا في حدود إسرائيل تسمية الأراضي بأسمائها هذه، وورّثوها للأجيال القادمة من دون أيّ تغيير تقريبًا. ما هو من العبث بمكان، أنّ القرويين الذين ظلّوا في حدود الدولة، وجدوا أنفسهم يستأجرون أراضي إخوتهم الغائبين غير الحاضرين من الدولة، ويتقاسمون معها الأرباح من دون أن يعتبروا ذلك فعلاً شاذًا أو غير مقبول!   
اكتشاف حقيقة السيد "نتوش" نزع عن كروم الزيتون البراءة التي كانت تطوّقها، وفتح أمامي نافذة للإطلال على الماضي غير البعيد. فجأة، لم تعد الأشواك والأعشاب البريّة مجرّد فورة حرّة للطبيعة، بل أصبحت تدخلاً مُصطنعًا وعنيفًا عطّل مسار حياة القرويين وخلّف خرابًا بدلاً من نظام. كروم الزيتون المهملة كانت، عمليًّا، صورة سالبة للعاديّ، الذي تمّ إرجاؤه بعدوانية استعمارية متغطرسة.         
من ناحيتي، تحوّل تأمّل الملك المتروك من تأمّل طفوليّ ساذَج، إلى تفكير تأمليّ، قاسٍ ومؤلم، إلاّ أنه مثير للتحدّي ومحرّض، أيضًا، فتح جرحًا لم يندمل بعد، ورفض أن يتركه. إنه تفكير تأمليّ في جرح نازف من جراء مصادرة حياة القرويين الذين هُجّروا، وحياة أولئك الذين بقوا في أرضهم، إنه تأمّل يستقرّ داخل الجرح ويرفض تركه، ليس بدافع مرضيّ من الميل إلى الحزن والألم، وليس، بالطبع، بدافع الوقوع في حبّ دور الضحية، بل بأمل لمس مستقبل الماضي الذي تمّ دوسه تحت خرائب الحاضر!       
في هذا السياق من تنقل النظرة المتأمّلة بين الماضي الفِلَسطينيّ والحاضر المتنكّر، يجب موضعة التجربة الانطباعيّة المُشكِّلة للمثقفين الفِلَسطينيين، الذين بينهم مُنتجو الثقافة، الفنانون والشعراء. النظرة المتنقلة للفنان هي نظرة مُحققة ومسائلة، نظرة لا تقبل الحاضر كمُنتج نهائيّ يجب عرضه، بل ترى إليه "متهمًا مُغيَّبًا" يجب استدراجه وجعله شاهدًا فاعلاً موهوبًا بالقدرة على أن يروي ويقصّ ويحكي.       
في بعض من رسومات الفنان ضرار بكري، تظهر سفينة متروكة في ميناء يافا. وفي إحدى الرسومات تظهر ثلاث سفن مهدّمة ومتروكة، ينعكس ظلّها بوضوح في البحر الذي رست إلى جانبه. متروكة وصدِئة، تبدو هذه السفن للعيْن المتأمّلة صورة سالبة لماضٍ نابض ومفعم بالحياة. صوت الماضي يدوّي بين جدران السفينة، والهدوء الكثيف الذي يطوّقها في لحظة معيّنة من الحاضر، ليس إلاّ تعبيرًا عن إسكات بالقوّة، فُرِض في لحظة من الماضي غير البعيد. بالنسبة إلى فِلَسطينيّ بقي في إسرائيل بعد النكبة، تتحوّل السفينة المتروكة إلى ظلّ ماضٍ لا تُمكن مصادرته. حتى إذا تمّت إزالة السفينة من مكانها، سيظلّ البحر على ما هو عليه، ظلاًّ لسفينة رست فيه قبل أن تصبح خربة.      

الظلّ ككيان اجتماعيّ
على نحو شبيه بالنار في مفهوم بشلار،{footnote} Gaston Bachelard, The Poetics of Reverie: Childhood, Language and the Cosmos, Boston 1969{/footnote} يقف الظلّ في مركَز أعمال إبداعية ثقافية، تأويلات اجتماعية ومعانٍ سيكولوجية كثيرة، ساهمت في تشكيله كـ "كيان اجتماعيّ" متناقض. في علم النفس اليونجيانيّ، يُعتبر الظلّ أرخيتايب (نموذجًا بدئيًّا أصليًّا)، يضمّ مكبوتات الإنسان وخصوصًا الآخر والغريب خاصّته؛ ففي الظلّ، يكبت الإنسان دوافع لا يقبلها وصِفات لا يحبّها. من هنا، يُعتبر الظلّ كمخزن شعوريّ يضمّ الصفات التي يحاول الأنا إخفاءَها أو كبتها. يُعتبر الظلّ في الثقافة الشعبية شيئًا خفيًّا ومُثيرًا للتخوّفات. فبرامج التلفزيون المخصصة للأطفال وأفلام الإثارة للبالغين تستخدم الظلّ من أجل إثارة المخاوف والغموض، ولبثّ الرعب، أحيانًا. إلاّ أنه إلى جانب غموضه، يُعتبر شيئًا حميميًّا صميميًّا، ضامًّا ومهدّئًا. فالإنسان يستريح تحت ظلّ شجرة تحميه من أشعة الشمس، والشعر يُكتب في ظلّ الكلمات التي تصوغ من أجله من جديد حدود الشاعريّة، في حين أنّ الولد يلعب مع ظلّه ويجعله رفيقًا لألعابه، ينفعل ويتأثر بتغيّرات أبعاده، يركض وراءه ويحاول الإمساك به، إلاّ أنه لا ينجح في ذلك، أبدًا! فالظلّ المراوغ المُتملّص، ينجح دائمًا في الهروب ويكون حاضرًا كغائب، فقط لا غير.  
يختلف الظل عن الشبح الدريدياني الذي تأمله دريدا في كتابه أشباح ماركس{footnote} Jacques Derrida, Specters of Marx, the State of Debt, the Work of Mourning, and the New International, London 1994{/footnote} إذ إن الشبح بحسبه كيان تناقضيّ، لأنّه غير موجود من جهة ، لكن ليس غير موجود من جهة أخرى، وهو دائمًا وأبدًا قائم بين العالم الحقيقيّ وعالم الخيال، بين عالم الأحياء وبين عالم الأموات. لا يُمكننا أن نكون واثقين من وجوده، لكننا لا نستطيع أن نثبت، أيضًا، عدم وجوده، وهو يُثير لدينا، أساسًا، مشاعر مختلِطة من الشعور بعدم الراحة، الخوف والرعب من المجهول. والظلّ مقارنة بذلك، هو فعل مراوغ متملّص غير ملموس لشيء حقيقيّ، وعليه فإنه مُمَوضَع داخل عالمنا هذا، لكن خارج نطاق متناول أيدينا. في قصيدته "مديح الظلّ العالي" (1982)، يصف درويش ياسر عرفات كظلّ عالٍ لم ينجح الإسرائيليّ في القضاء عليه رغم محاولاته المتكرّرة. إننا نرى الظلّ، نلاحظه، إلاّ أننا لا نستطيع تجريبه انطباعيًّا بصورة مباشرة (لن نستطيع أبدًا أن نكون ظلاًّ حقيقيًّا)، أن نلمسه، وطبعًا، لا نستطيع الاحتيال عليه. وبهذه الكلمات وصف درويش ظلّه:{footnote} محمود درويش، لا تعتذر عمّا فعلت، بيروت 2004: 83-84.{/footnote}
الظلُّ، لا ذَكَرٌ ولا أنثى
رماديٌّ، ولو أشْعَلْتُ فيه النارَ...
يتبعُني، ويكبرُ تُمَّ يصغرُ
كُنْتُ أمشي. كان يمشي
كُنْتُ أجلسُ. كان يجلسُ
كُنْتُ أركضُ. كان يركضُ
قلتُ: أخدعُهُ وأخلَعُ معطفي الكُحْليَّ
قلَّدني، وألقى عنه معطفَه الرماديَّ...

الظلّ هو الرفيق المخلص والأبديّ لصاحبه. فوجوده لا يتعلق برغبة هذا، بل بقوانين الطبيعة التي تنتصر على الحسيّ والملموس عن طريق اللاحسيّ واللاملموس. إنه يرافق صاحبه بعزم وثبات طوال حياته، ويُصرّ على تقليد كلّ حركاته. لا يُمكن التخلّص منه، ولا يُمكن الاحتيال عليه أو تضليله.  
الظلّ يُشبه قليلاً الصورة المنعكسة من خلال المرآة، إلاّ أنه ليس طبقها، تمامًا. في حين أنّ الانعكاس من خلال المرآة ينسخ، تقريبًا، شكل صاحبه، فإن الظلّ رماديّ وخالٍ من التفاصيل، وكونه كذلك، فإنه يعرض، فقط، "صورة سالبة" لصاحبه، بخطوط عامّة ومشوّهة، أحيانًا، وهي خطوط تُذعن هي الأخرى لقوانين الطبيعة، على سبيل المثال لا الحصر، لموضع الشمس، لمدى الإضاءة ولظروف حالة الطقس. من هنا، يجب أن يتمّ تحليله في السياق الفيزيائيّ المحيط به وبعلاقته مع الآخَر المُكمّل له: صاحبه.
في العربية المَحْكِيّة، لعبارة "خيال" مدلول مرادف لمعنى الـ"ظلّ"، إلاّ أنّه بترجمة حرّة، تعني كلمة "خيال" التخيّل، بمعنًى مزدوج: الشبيه والمشبّه أو المُتخيَّل. معنى ذلك أنّ الخيال ليس انعكاسًا لصاحبه، فقط، إنّما هو، أيضًا، مولّد يحرّك أفكاره الحرّة، أحلام يقظته وخياله الجامح.      

خيال الظلّ
ماذا يحدث عندما تنقلب لعبة الأدوار بين الظلّ ورفيقه؟ ماذا يحدث، مثلاً، عندما يُصبح الظلّ هو الشيء الحقيقيّ الملموس، في حين يُصبح صاحبه الجانب غير الحقيقيّ أو غير الملموس له نفسه؟ ماذا يحدث عندما يُصبح صاحب الملك لاجئًا، يترك العالم الذي عرفه ويتسكّع لا حول له ولا قوّة في عالم غريب يتنكّر له ويُقصيه؟ قصّة ظلّ اللاجئ ليست قصّة ظلّ ابن البيت، بل على العكس تمامًا، فاللاجئ ما هو إلاّ الظلّ اليونجيانيّ لابن البيت. إنّه يرمز إلى ويدلّ على – في آنٍ معًا – كلّ ما لا يريد أن يكون، حتى إنه يُصبح إلى حدّ بعيد مستودع قلقه وتخوّفاته هو نفسه: صورة سالبة للطبيعيّ ولحظة السقوط إلى الهاوية. لكنّ حكم خيال الظلّ، أي خيال اللاجئ، ليس كحكم خيال ابن البيت، لأنّ الصورة السالبة للرّعب هي الطمأنينة والهدوء، في حين أنّ الصورة السالبة للتهجير، ليست إلاّ البقاء، والصورة السالبة للجوء، ليست إلاّ لحظة الأمان التي تسمّرت مكانها "هناك"، في اللحظة نفسها بالضبط، التي خرج فيها من البيت – الحقل:         
وأخرجوك من الحقل. أمّا ظلّك، فلم يتبعك ولم يخدعك، فقد تسمَّر هناك وتحجَّر، ثمّ اخضرّ كنَبْتَة سُمْسُمٍ خضراءَ في النهار، زرقاءَ في الليل. ثمّ نما وسما كصفصافةٍ، في النهار خضراءُ، وفي الليل زرقاءُ /{footnote} محمود درويش، في حضرة الغياب، بيروت 2006: 14.{/footnote}
خيال الفلاّح في الحقل هو كيان اجتماعيّ، يقوم بواسطة الوجود الاجتماعيّ لصاحبه في الحقل، ففي اللحظة التي يفقد فيها الفلاّح عالمه الاجتماعيّ، لا يبدّل الخيال جلده، ولا يلائم نفسه من جديد لدور جديد، بل إنّه يبقى في الحقل أبدًا، متسمّرًا في مكانه، مثل حسناء ناعسة تنتظر قبلة بعثها للحياة. زمن الخيال يتسمّر معه، مثلما أنّ زمن الحسناء الناعسة يتسمّر معها بالضبط، الأيام التي تمرّ من هذه اللحظة ولاحقًا، تتحرّك مكانها، بلا تقدّم، وفي اللحظة التي يلين فيها خيال قد تسمّر، يواصل حياته من اللحظة نفسها بالضبط، التي توقف عندها. وفي هذا السياق، يُمكننا أن نفهم مكانة الماضي في كينونة الفِلَسطينيّ كمُستقبل مَحْلوم به ومخلّص. وبكلمات درويش:{footnote} المصدر نفسه: 23.{/footnote}
والآن وأنت مُسَجًّى فوق الكلمات وحيدًا، ملفوفًا بالزنبق، والأخضر والأزرق، أدركُ ما لم أدرك:
إنّ المُستقبل مُنْذُئذٍ،
هو ماضيك القادم!

وما هو الماضي؟ يتساءل إميل حبيبي في قصته القصيرة "وأخيرًا... نوّر اللّوز"،{footnote} إميل حبيبي، "وأخيرًا... نوّر اللّوز"، من: سداسيّة الأيّام الستّة - الأعمال الأدبيّة الكاملة، ط. 1، الناصرة 1997.{/footnote} ويُجيب على لسان أحد أبطاله:

"إنّ الماضي ليس زمنًا. إنّ الماضي هو أنت وفلان وفلان وجميع الأصدقاء [...] ماضينا، الذي أريده أن يعود كما يعود الربيع بعد كلّ شتاء".

ماضي الفِلَسطينيّ هو صورة سالبة للحاضر المُتنكّر له والمُقصي، حياته السابقة للخراب: البيت قبل أن يُصبح خيمة، الفلاّح قبل أن يُصبح لاجئًا، السفينة الراسية في ميناء يافا قبل أن تُصبح خربة، وكرم الزيتون المفلوح قبل أن يصبح حقل الأشواك التابع للسيد "نتوش".

المُستقبل الكامن في الماضي عبارة عن ملجأ نفسيّ، يرجع إليه الفِلَسطينيّ على الدوام وبإصرار، من أجل الإحساس بحميميّة المكان، التي انتهِكت عندما تحوّل المكان الفِلَسطينيّ إلى مِنطقة إسرائيلية عام 1948. وفي هذا السياق، حاضر الدولة التي قامت على أنقاض الوطن، هو حاضر اغترابيّ قصدًا وعمدًا، فهو تجسيد لمشروع الصياغة الاستعمارية التي ترى في كيان ابن البلد الأصليّ كيانًا غير مرغوب فيه أو، على الأكثر، كيانًا مُحتملاً بشروط معيّنة، مثلما ينعكس ذلك بالنسبة إلى الدولة تجاه الفِلَسطينيين مواطني دولة "إسرائيل اليهودية والديمقراطية"!   

الحاضر كظلّ للماضي
مُنتجو الثقافة، الفنانون والشعراء الفِلَسطينيّون، يُكثرون من استعمال الظلّ - كفكرة مركَزيّة - كاستعارة متآمِرة لرسم الصورة السالبة المُصادَرة للواقع الفِلَسطينيّ الحاليّ. أنقاض السفينة هي خيال الصيّاد وماضيه المُفعم بالحياة، آثار البيوت المُهدّمة هي خيال القرية المتحرّكة، فقط، قبل أن تُهدم، في حين أنّ حقل الأشواك الذي انتشر في كرم الزيتون، هو صورة سالبة، فقط، للحقل المفلوح والمُحافَظ عليه قبل أن "يُترَك". من وجهة نظر ابن البلد الأصليّ، قصّة حياة الظلّ هي قصّة وطنه، التي يروي تفاصيلها من خلال تأمّل ناقد انعكاسيّ للحاضر وكأنه في ظلّ الماضي. رائف زريق، عبّر عن ذلك في ما كتب عن وادي الصليب:{footnote} رائف زريق، "בעיניים ערביות" (بعيون عربيّة)، ملحق هآرتس، 20.4.1999.{/footnote}

وادي الصليب، بيوت من الحجر والنوافذ، بيوت لا تفتح أبوابها. فقبل خمسين سنة أغلِقت وإنها لا تُفتح بعد. أحد الأدلّة الظرفيّة على وقوع جريمة. بيوت لا تفتح بواباتها إلى أن تنغرّ اللغة بالقول: بيوت متروكة. بيوت متروكة ولا يُعرف مَن يترك مَن. على أيّة حال، البيت المتروك يُشبه أخاه البكر، المُلك المتروك، وكلاهما ابن لعائلة "أملاك الغائبين".

لدى مروره بجانب ظلّ الماضي، الذي يتسلّل إليه عن طريق البيوت المُغلقة في وادي الصليب، أو، بدلا من ذلك، إلى جانب البيوت العربية التي تمّ إسكانُها المُهاجرين من جديد، يعيش الفِلَسطينيّ الحاضر وكأنّه في ظلّ الماضي المُسكَت؛ فبالنسبة إليه، الماضي ما هو إلاّ عذر لعمل عنيف فصل بالقوّة المدلول عن الدالّ، وبلور سياقًا مشوّهًا وغير عضويّ. وبوصف مدينة صفد بعد النكبة، يُحسن سالم جبران تجسيد الغربة التي عصفت به:{footnote} عبد الرحمن الكيّالي، الشعر الفِلَسطينيّ في نكبة فِلَسطين، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1975: 389.{/footnote}

غريب أنا في صفد... تقول البيوت: هلا!
ويأمرني سكّانها: ابتعد.
علامَ تجوب الشوارع يا عربيّ! علاما؟

لحظة فصل البيت عن ساكنيه، هي اللحظة التي ينفصل فيها الظلّ عن صاحبه ويتسمّر في مكانه. هذه، أيضًا، هي اللحظة التي تبدأ فيها الهُوية الجديدة لصاحب الظلّ بالتبلوُر كهُوية مقسومة لـ "لاجئ" لا مكان يؤويه، يتنقل بلا أمان أساسيّ، بين الماضي كمصدر للحميمية، وبين الحاضر كمكان غربة وإقصاء، بين رفض قبول الحاضر التعيس والمُقصي، وبين العودة الدائمة إلى الماضي كمرساة نفسية موازِنة. "اللاجئ" يعيش الحاضر كصورة سالبة للماضي، فقط، وهو يعيش الماضي كلحظة أمان، طُمأنينة وطبيعيّة.

في رسومات إسماعيل شمّوط التي تتناول الحياة قبل النكبة، نصادف حياة نابضة بالحركة والحياة، كرنفاليّة واحتفاليّة تمثّل ما تمّ التكتّم عليه وإخفاؤه. وفي مقابل ذلك، نجد في القطب الضدّيّ رسومات عبد عابدي التي تتناول لحظة اللجوء والترك. في إحدى هذه الرسومات، يرسم عبد عابدي بالفحم لحظة اللجوء والخروج من أرض الوطن، ويعرض سلسلة طويلة من ظلال وخيالات أشخاص لا وجوه لهم، يمشون في مكان صحراويّ تحت شمس الصيف اللاهبة. المكان الذي يذهب إليه اللاجئون، أيضًا، مرسوم كمكان لا وجه له، بشيء من الاستعارة والمجاز عن خوض اللاجئ غمار مُستقبل غامض.    

يصف راشد حسين في قصيدته "من لاجئ إلى أمّه"، الحياة البائسة للاجئ الفِلَسطينيّ، مثلما ارتسمت أمامه بعد أن سكن الخيمة في مخيّم اللاجئين، وهذا ما يقوله:{footnote} راشد حسين، ديوان راشد حسين، مركز التراث، الطيبة 1990: 166.{/footnote}

الخيمةُ الخمسونَ من جهة اليسار هنا حياتي
فيها – ألا تدرين ما فيها ؟ بيادرُ ذكرياتِ
ذكرى تحدثني عن الدار الملوَّنةِ الجهاتِ
ذكرى تحدِّثُ عن أخي "سامي" وعن عبثِ اللِّداتِ
ذكرى العبير المشمشي وذكرياتِ السنبلاتِ.

إن تذكّر ذلك، يلعب دوريْن مهمّيْن: الأوّل، عطريّة وذكريات السعادة والهناء الضائعة، هي العلامة الفارقة الوحيدة التي يستخدمها الشاعر لتأسيس ادّعائه، بأنّ حياته كان من شأنها أن تكون مختلفة اليوم لو لم تضِع. والثاني، عالم اللاجئ الآخذ بالامتلاء بالإنكارات: إنكار حقه في العودة إلى البيت، إنكار القيادة العربية لواقعه، ولربّما حتى اتهامه – مباشرة أو غير مباشرة – بدوره في النكبة وفي فقدان الوطن. يمرّ الإنكار أساسًا في محور الزمن الأفقيّ، ويُصبح الماضي السياق الوحيد الذي يُمكنه من خلاله الحصول على اعتراف مزدوج: الماضي يعرف مَن أكون وما أكون. فالتوجّه إليه، عمليًّا، يجسّد فرضيّة الشراكة في التجربة. إلاّ أنه اعتراف مُميت، لأنه يفترض أنّ الشريك في الحوار قد دُفن، وأصبح شاهد قبر. يكتب درويش في قصيدته{footnote} محمود درويش، "ليلة البوم"، من: لماذا تركت الحصان وحيدًا، لندن – بيروت 1996: 30.{/footnote}:

ههُنا حاضرٌ
لا زمانَ لَهُ،
لم يَجِدْ أحَدٌ، ههُنا، أحدًا يتذكَّرُ
كيف خرجنا من الباب، ريحًا، وفي
أيِّ وقتٍ وَقَعْنا عن الأمس فانكسَرَ
الأمسُ فوق البلاط شظايا يُرَكِّبها
الآخرون مرايا لِصُورَتِهِمْ بعدنا...


الماضي في وصف درويش يشبه - إلى حدّ ما - الماضي المدوّي في رسومات الصبّار لعاصم أبو شقرة، منزوعًا من مكانه الطبيعيّ ومغروسًا من جديد في صفائح صدِئة. وبالتبادل، في الرسمة التي تبدو كرسمة حائط مؤطّرة، صبّار أبو شقرة يتحدّى ويتصدّى لتحويل الصبّار إلى رمز وطنيّ بيد الإسرائيليين. الصبّار، مثله مثل البيت المتروك الذي تمّ إسكانه مهاجرين يهودَ، هو مرّكب فعليّ وليس رمزيًّا، فقط، تمّ اقتلاعه من نسيج حياة القرويين الفِلَسطينيين، الذين ربّوه على مقربة من بيوتهم للأكل والتداوي. موضعه داخل الصفيحة الصدِئة ليس طبيعيًّا، بعبارة مُلطَّفة، إنّه موضع يجعله عاملاً مُقصًى وغريبًا عن محيطه. قصّة الصبّار المحبوس والمؤطّر، هي قصة البيت المسكون بالمهاجر المُحتلّ. فعبر اقتلاعه من سياقه، يروي تفاصيل حكاية حاضر الأمس- الماضي، كحكاية سلب وانتزاع. ماضي الحاضر المُقصى هو المصدر الأخير لتوق الفِلَسطينيّ: التوق للكامل، للحميميّة، للانسجام والتآلف. ماضي الصبّار قبل الاقتلاع، اللاجئ قبل اللجوء، يُصبح معقل الفِلَسطينيّ وحصنه، وهو يستوطن فيه، يستدرجه ويشعر من خلاله بحميميّة المكان التي ظلّت راسخة في ذاكرة الروائح والأسماء. يكتب درويش في قصيدته "قرويّون من غير سوء":{footnote} محمود درويش، المصدر نفسه: 24.{/footnote}

لم أكُنْ بَعْدُ أعرفُ عاداتِ أمِّي، ولا أهلَها
عندما جاءَتِ الشاحناتُ من البحر. لكنّني
كُنْتُ أعرفُ رائحةَ التبغ حول عباءة جدِّي
ورائحةَ القهوةِ الأبديّة، منذ وُلدتُ
كما يُولَدُ الحَيَوانُ الأليفُ هُنا
دفعةً واحدةْ!

ما تبقى لدرويش، الذي عايش الحاضر كسقوط في هاوية مجهولة، هو الماضي كرمز وعيويّ، كسلّة الأحلام المحفوظة. تذكّر الماضي مثله مثل تذكّر الأحلام التي نُسجت في ظلّه.{footnote} يُنظر: Bachelard, The Poetics of Reverie: 54.{/footnote} وفي سياق درويش، تذكّر التّبغ، القهوة والرائحة، ليس تذكّرًا للطفولة الموضوعيّة، إنّما هو، أساسًا، تذكّر موضوعه- الماضي أو الحُلُم.
إذا كان درويش يحلم بالعودة إلى الماضي ليعيش الحُلُم المكتوم، فإن علي عايَش ذكرى الماضي كإمكانية لمقاومة المستقبل التعيس: لربّما وجد الماضي له مختبأ وفرّ من تعاسة الحاضر والمستقبل. وهكذا يكتب علي في قصيدته "ضَحْكٌ عَلَى ذُقُونِ القَتَلَةِ":{footnote} طه محمّد علي، قصائد، ترجمها للعبرية: أنطون شمّاس، دار الأندلس، تل أبيب 2006: 66-72.{/footnote}

قاسِمْ!
تُرَى... أيْنَ أنْتَ؟!
أنا لَمْ أنْسَكَ
خِلالَ هَذِهِ السِّنِينَ
الطَّويلَةِ
كَأسْوارِ المَقَابِرِ

دائِمًا
أسْألُ عَنْكَ العُشْبَ
وَأكْوَامَ التُّرَابِ
أأنْتَ حَيٌّ،
بِعُكّازٍ وَهَيْئَةٍ وَذِكْرَياتٍ؟
وَهَلْ تَزَوَّجْتَ
وَلَكَ خَيْمَةٌ وَأوْلادٌ؟
هَلْ حَجَجْتَ؟
أمْ قَتَلوكَ،
عَلى مَداخِلِ تِلالِ الصَّفِيحِ؟

أمْ أنَّكَ يَا قاسِمُ
لَمْ تَكْبُرْ...
وَاخْتَبَأتَ عِنْدَ العاشِرَةِ؟

فَلَمّا تَزَلْ
قاسِمَ الصَّبِيَّ
الَّذي يَرْكُضُ وَيَضْحَكُ
وَيَقْفِزُ عَنِ السَّنَاسِلِ،
يُحِبُّ اللَّوْزَ،
وَيَبْحَثُ عَنْ عِشَاشِ العَصَافِيرِ؟

قاسم لم يترك قريته على ما يبدو، ونجح، على ما يبدو، في الاحتيال على القتلة والبقاء هناك، ابن عشر سنوات. بروح كلمات درويش، قاسم -  كمَن يحلّ محلّ الظلّ - لم يترك قريته، بل بقي هناك راسخًا في حياتها ومُنفلتًا من يدي الحاضر، يقفز من على السناسل ويغزو عشاش العصافير؛ قاسم الفتى سيظلّ أبدًا فتًى، محافظًا على إمكانيّة الفتوّة وعلى المكان، منتظرًا عودة نصفه الآخر، الذي انقسم وانفصل عنه لحظة النزوح.
قاسم، لن يكبر أبدًا، ولن يشيخ، هو - فتوّة ابن البلد الأصليّ -  باقٍ في فِلَسطين ويرفض النزوح عنها. "قوّته في الضحك على ذقون القتلة" راسخة في قدرته على التحوّل إلى خيال، بل حتى إلى أثر غير ملموس. مثله مثل أثر الفراشة، الذي لا يُرى بالعين، لكنّه، أيضًا، لا يزول، ويظلّ هناك إلى الأبد، يُلهم المكان بقوّته، وبكلمات درويش:{footnote} محمود درويش، أثر الفراشة، بيروت 2008.{/footnote}

أثَرُ الفراشة لا يُرَى
أثَرُ الفراشة لا يزولُ

هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرجُ المعنى، ويرحلُ

أثر الفراشة – إلى حدّ بعيد – مثله مثل بصمة تركها الفِلَسطينيّ في الأماكن التي عاش فيها ونسج ذكرياته، هو الخطوات التي مشاها درويش في حيفا قبل خروجه إلى المنفى طواعية: ضحكات الأصدقاء المكبوتة وعشق الفتوّة، رائحة البحر وأفكار عن البيت الذي هُدم في البروة. على نحو شبيه بخفّة الظلّ، فآثار الفراشة أثر خفيف، غير محسوس تقريبًا، وهذه الخفة تُكسبه قدرة بطولية عالية على التملّص من ثقل الحقيقيّ والماديّ الملموس، وتقترح على الماضي النجاة من عنف الحاضر. قدرة الظلّ على التملّص تكسبه قدرة لا تتزعزع على أن يُصبح الحارس المخلص والأبديّ لصاحبه. يكتب درويش في قصيدته "خيالي... كلب صيد وفيّ":{footnote} المصدر نفسه.{/footnote}

على الطريق إلى لا هدف، يُبَلِّلني رذاذ
ناعم، سقطتْ عليَّ من الغيم تُفَّاحةٌ لا
تشبه تفاحة نيوتن. مددتُ يدي لألتقطها
فلم تجدها يدي ولم تَرَها عيناي. حدَّقتُ
إلى الغيوم، فرأيتُ نُتَفًا من القطن تسوقها
الريح شمالاً، بعيدًا عن خزانات الماء
الرابضة على سطوح البنايات. وتدفَّق الضوءُ
الصافي على إسفلت يَتَّسع ويضحك من قلَّة
المشاة والسيارات... وربما من خطواتي
الزائغة. تساءلتُ: أَين التفاحة التي
سقطت عليَّ؟ لعلَّ خيالي الذي استقلَّ
عني هو الذي اختطفها وهرب. قلت:
أَتبعه الى البيت الذي نسكنه معًا في
غرفتين متجاورتين. هناك، وجدت على
الطاولة ورقة كُتِبَ عليها، بحبر أَخضر،
سطر واحد: «تفاحة سقطت عليَّ من
الغيوم»، فعلمت أَن خيالي كلب صيد
وفيّ!

تلخيص
الظلّ فكرة مركَزيّة قويّة في الكتابة والإبداع الثقافيّ الفكريّ الفِلَسطينيّ. كان هناك مَن استخدمه لبناء خارطة بديلة لفِلَسطين بعد النكبة، وكان هناك مَن رسموه كحارس أبديّ للوطن، وكان هناك مَن أكّدوا على حضوره الدائم كعذر للماضي الذي انقطع بقوّة الاستعمار الإسرائيليّ. حاولت في هذه المقالة الوقوف على المعاني المختلفة لاستخدام الظلّ في السياق المُتشكّل في أعقاب 1948، في محاولة لفهم الظلّ - كفكرة مركَزيّة - كأثر فعليّ يتحوّل إلى كيان ما بعد طبيعيّ، لا يُمكن الإحساس به، لكن لا يُمكن طرده، أيضًا.
إحدى النقاط التي يجدر فحصها في المسقبل، هي بلورة العرب في إسرائيل وكأنهم ظلّ لفِلَسطين، ظلّ يحرس الوطن، لكنه، أيضًا، يُشرف على التغيّرات البعيدة الأثر التي يمرّ بها، بينما هو يبتعد عن صورته المغروسة في ذاكرة الفِلَسطينيّ. سيكون مثيرًا بشكل خاصّ، الاطلاع على هذه المسألة في ضوء قصة غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"،{footnote} كنفاني، غسّان، "عائد إلى حيفا"، من: عامي إلعاد- بوسكيلا (المحرّر)، الغُرف الأخرى: ثلاث روايات فِلَسطينية (بالعبريّة)، أور يهودا 2001.{/footnote} الذي يصف فيها تطوّر حياة خَلدون الفِلَسطينيّ، الذي نسيته أسرته في خضّم الحرب وقامت أسرة يهوديّة بتربيته وتعليمه أن يكون جنديًّا إسرائيليًّا فخورًا. الظلّ كفكرة مركَزيّة، والذي يلعب - حسَب طريقة يونج – دور الحارس، يعمل، أيضًا، كمثير للتخوّفات، من شأنه أن يُنير تعقيد حياة الفِلَسطينيين الذين بقوا بعد النكبة في وطنهم، لكنهم أصبحوا مواطنين إسرائيليين. على هؤلاء الفِلَسطينيين كُتب أن يترنّحوا بين كينونتهم ودوافع أخرى: التأمّل المؤلم للماضي؛ غضب على "الترك" من جانب العالم العربيّ، الذي لطاما اعتبرهم متعاونين؛ تبنّي هُويّة "العربيّ- الإسرائيليّ"، التي برع في وصفها إميل حبيبي في روايته    المتشائل،{footnote} إميل حبيبي، المتشائل: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، الأعمال الأدبيّة الكاملة، ط. 1، الناصرة 1997. {/footnote} أو، بالتبادل، التأكيد على الفِلَسطينيّة والانتماء إلى العالم العربيّ.
في الخضمّ السياسيّ والقوميّ، من شأن الظلّ كفكرة مركَزية، أن يُساعد في فهم كينونة الفِلَسطينيّ في إسرائيل، وخصوصًا فهم معنى الحياة في الوطن بشعور من الإنكار والغربة، ميّز تجربته الانطباعية، مثلما يصف ذلك الشاعر سلمان مصالحة في قصيدته "جواب نهائيّ عن السؤال: كيف تعرّف نفسك؟":{footnote}  سلمان مصالحة، "אחד מכאן" (بالعبريّة)، تل أبيب 2004.{/footnote}

هذه هي الأرض التي عرفتها
لأنّ دروبها ستقودني إلى الضوء المشنوق
كينابيعها على الجبل.
وكنتُ صخر المنحدر،
وكنت شجرة الزيتون الباقية.
الأرض كلّها كانت بيتًا، وكنتُ فيها غريبًا.
 
בניית אתרים אפה מולטימדיה